محمد بن جرير الطبري

107

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

ما تزال جهنم تقول : هل من مزيد فذكر نحوه غير أنه قال : أو كما قال . حدثنا زياد بن أيوب ، قال : ثنا عبد الوهاب بن عطاء الخفاف ، عن سعيد ، عن قتادة ، عن أنس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : " احتجت الجنة والنار ، فقالت النار : يدخلني الجبارون والمتكبرون ؛ وقالت الجنة : يدخلني الفقراء والمساكين ؛ فأوحى الله عز وجل إلى الجنة : أنت رحمتي أصيب بك من أشاء ؛ وأوحى إلى النار : أنت عذابي أصيب بك من أشاء ، ولكل واحدة منكما ملؤها ؛ فأما النار فتقول : هل من مزيد ؟ حتى يضع قدمه فيها ، فتقول : قط قط " . ففي قول النبي صلى الله عليه وسلم : " لا تزال جهنم تقول هل من مزيد " دليل واضح على أن ذلك بمعنى الاستزادة لا بمعنى النفي ، لأن قوله : " لا تزال " دليل على اتصال قول بعد قول . القول في تأويل قوله تعالى : وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ . . . ما تُوعَدُونَ . . . مُنِيبٍ يعني تعالى ذكره بقوله : وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ وأدنيت الجنة وقربت للذين اتقوا ربهم ، فخافوا عقوبته بأداء فرائضه ، واجتناب معاصيه . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ يقول : وأدنيت غَيْرَ بَعِيدٍ وقوله : هذا ما تُوعَدُونَ يقول : قال لهم : هذا الذي توعدون أيها المتقون ، أن تدخلوها وتسكنوها وقوله : لِكُلِّ أَوَّابٍ يعني : لكل راجع من معصية الله إلى طاعته ، تائب من ذنوبه . وقد اختلف أهل التأويل في معنى ذلك ، فقال بعضهم : هو المسبح ، وقال بعضهم : هو التائب ، وقد ذكرنا اختلافهم في ذلك فيما مضى بما أغنى عن إعادته ، غير أنا نذكر في هذا الموضع ما لم نذكره هنا لك . حدثني سليمان بن عبد الجبار ، قال : ثنا محمد بن الصلت ، قال : ثنا أبو كدينة ، عن عطاء ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس لِكُلِّ أَوَّابٍ قال : لكل مسبح . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران ، عن سفيان ، عن مسلم الأعور ، عن مجاهد ، قال : الأواب : المسبح . حدثنا الحسن بن عرفة ، قال : ثني يحيى بن عبد الملك بن أبي غنية ، قال : ثني أبي ، عن الحكم بن عتيبة في قول الله : لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ قال : هو الذاكر الله في الخلاء . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران ، عن سفيان ، عن يونس بن خباب ، عن مجاهد لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ قال : الذي يذكر ذنوبه فيستغفر منها . حدثنا ابن حميد قال : ثنا مهران ، عن خارجة ، عن عيسى الحناط ، عن الشعبي ، قال : هو الذي يذكر ذنوبه في خلاء فيستغفر منها . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : هذا ما تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ : أي مطيع لله كثير الصلاة . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ قال : الأواب : التواب الذي يؤوب إلى طاعة الله ويرجع إليها . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا جرير ، عن منصور ، عن يونس بن خباب في قوله : لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ قال : الرجل يذكر ذنوبه ، فيستغفر الله لها . وقوله : حَفِيظٍ اختلف أهل التأويل في تأويله ، فقال بعضهم : حفظ ذنوبه حتى تاب منها . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران ، عن أبي سنان ، عن أبي إسحاق ، عن التميمي ، قال : سألت ابن عباس ، عن الأواب الحفيظ ، قال : حفظ ذنوبه حتى رجع عنها . وقال آخرون : معناه : أنه حفيظ على فرائض الله وما ائتمنه عليه . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة حَفِيظٍ قال : حفيظ لما استودعه الله من حقه ونعمته . وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال : إن الله تعالى ذكره وصف هذا التائب الأواب بأنه حفيظ ، ولم يخص به على حفظ نوع من أنواع الطاعات دون نوع ، فالواجب أن يعم كما عم جل ثناؤة ، فيقال : هو حفيظ لكل ما قربه إلى ربه من الفرائض والطاعات والذنوب التي سلفت منه للتوبة منها والاستغفار . وقوله : مَنْ خَشِيَ